السخرية وآلياتها في القصة القصيرة جدا

إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر المفارقات الصاخبة، وعصر السخرية بامتياز. بمعنى أن الواقع لايخضع لمقاييس المنطق من جهة، ولا يتناسب مع معيار التطابق والانسجام والتلاؤم من جهة أخرى.
ومادام هذا العالم غريبا لايخضع لمقاييس العقل والمنطق والواقع، فالسخرية هي السلاح الوحيد لمواجهة هذا العالم الصاخب الذي يتسم بالعبثية، والفوضى، والفانطازيا، والجنون. لذا، يستغرب الإنسان فظاظة هذا العلم وبشاعته؛ بسبب الحروب الطائشة، ومصادرة حريات الإنسان، والتعدي على حقوقه الطبيعية والمكتسبة.لذا، يعد القرن العشرون قرن السخرية بشكل أساسي. لذا، راحت الفلسفات الغربية تندد بالمنطق والعقل على حد سواء، منددة بالمركزية الغربية ، مستعملة في ذلك آليات التشكيك، والتقويض، والتفكيك، والاختلاف، والهدم، والتشذير. بيد أن أخطر سلاح قد استخدمه الأدب والفن هو السخرية المقيتة، والهجاء اللاذع، والتهكم الصاخب، والضحك الهستيري، والجنون الثائر، والتهكم الهادف، والفكاهة الساخرة، والنقد البناء، والكوميديا السوداء.ناهيك عن توظيف خطاب المفارقة والتناقض والتضاد من أجل مواجهة قوى الاستبداد والظلام ، والوقوف في وجه الديكتاتوريات العسكرية، والثورة على الأنظمة الفاشية والنازية.لذا، اتخذت السخرية طابعا سياسيا، واجتماعيا، وذهنيا، وفلسفيا، وعلميا، وأدبيا، وفنيا، ودينيا، وجماليا...
ومن هنا، فالسخرية خاصية إنسانية بامتياز، ولا علاقة لها البتة بالحيوان والجماد معا. بمعنى أن الإنسان هو الوحيد الذي يتحيز إلى الضحك، والفكاهة، والتسلية، والسخرية، ولاسيما أن العالم الذي يعيش فيه هذا الإنسان هو عالم يعج بالمفارقات الصاخبة، والتناقضات الجدلية الصارخة. وبالتالي، يتسم بالغرابة، والشذوذ، والاغتراب الذاتي والمكاني... ومن ثم، ينظر أبو حيان التوحيدي إلى الضحك والسخرية على أنهما نتاج العقلانية والحيوانية. بمعنى أن الإنسان الساخر يتأرجح بين لحظتي الوعي واللاوعي، بين فترتي العقل واللاعقل .






نشر الخبر :
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :